حين يفشل الاقتصاد… يدفع المواطن الفاتورة

الآراء 12:55 PM - 2026-10-08
فيصل علي PUKMEDIA

فيصل علي

الدولار

ليس أصعب على المواطن العراقي من أن يسمع كل مرة أن عليه أن يتحمل «إجراءات اقتصادية صعبة» من أجل إنقاذ الاقتصاد، بينما لا يرى إجراءات مماثلة لإنقاذه هو من الغلاء وتراجع القوة الشرائية.
خفض قيمة الدينار العراقي بنسبة تقارب 13% ليس مجرد قرار يتعلق بسعر الصرف، وليس رقما يمكن أن يمر في نشرات الأخبار ثم ينتهي أثره. إنه قرار يصل إلى المائدة، وإلى سوق المواد الغذائية، وإلى الإيجار، والدواء، احتياجات الأسرة، وإلى راتب الموظف ومدخرات المواطن.
المشكلة ليست فقط في خفض قيمة الدينار، وإنما في السؤال الذي يجب أن يطرح بصراحة: لماذا يدفع المواطن دائما ثمن الاختلالات الاقتصادية؟
عندما ترتفع الأسعار، يدفع المواطن. وعندما تتراجع القوة الشرائية، يدفع المواطن. وعندما ترتفع كلفة المعيشة، يطلب منه أن يتكيف. أما عندما نتحدث عن الهدر والفساد وسوء الإدارة والإنفاق غير المنتج، فغالبا ما تصبح المعالجة أكثر تعقيدا وأقل سرعة.
وهنا تحديدا تكمن أزمة الثقة.
ماذا يعني خفض قيمة الدينار؟
من الناحية الاقتصادية، يؤدي انخفاض قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية إلى زيادة كلفة السلع المستوردة بالدينار. والعراق يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ولذلك فإن تأثير سعر الصرف يظهر سريعا في الأسواق.
التاجر الذي يشتري بضاعته بالدولار سيحتاج إلى دنانير أكثر لتمويل الاستيراد. وقد تنتقل الزيادة في التكلفة إلى المستهلك، بدرجات متفاوتة حسب نوع السلعة والمنافسة والمخزون وهوامش الربح.
وبالتالي، فإن خفض قيمة العملة لا يعني بالضرورة أن كل سلعة سترتفع بنسبة 13%، لكنه يخلق ضغطا صعوديا على الأسعار، خصوصا في اقتصاد يعتمد بشكل واسع على السلع المستوردة.
وهنا يصبح الموظف والمتقاعد وصاحب الدخل المحدود في موقع ضعيف؛ لأن دخله مقوم بالدينار، بينما جزء كبير من نفقاته يتأثر بسعر الدولار.
الراتب قد يبقى مليون دينار، لكن المليون نفسه لم يعد يشتري ما كان يشتريه بالأمس.
وهذه هي الخسارة التي لا تظهر دائما في جداول الموازنة، لكنها تظهر بوضوح في حياة المواطن.
من المستفيد ومن المتضرر؟
ليست آثار خفض قيمة العملة متساوية على الجميع.
قد تستفيد الحكومة ماليا من ارتفاع القيمة الدينارية للإيرادات النفطية المحصلة بالدولار عند تحويلها إلى الدينار. وقد يستفيد بعض المنتجين المحليين لأن السلع المستوردة تصبح أكثر كلفة، ما قد يمنح الإنتاج المحلي فرصة أكبر للمنافسة.
لكن هذه الفوائد تحتاج إلى اقتصاد منتج قادر على استثمارها.
أما إذا كان الاقتصاد يعتمد على الاستيراد، وكانت الصناعة والزراعة المحليتان غير قادرتين على تلبية الطلب، فإن النتيجة قد تكون ببساطة ارتفاع كلفة المعيشة.
والسؤال هنا: هل يمتلك العراق اليوم قطاعا إنتاجيا قويا بما يكفي لتحويل انخفاض قيمة الدينار إلى فرصة، أم أن المواطن سيحصل فقط على الجزء الأصعب من المعادلة: ارتفاع الأسعار؟
المشكلة ليست الدولار وحده
من الخطأ اختزال الأزمة الاقتصادية العراقية في سعر صرف الدينار. المشكلة أعمق بكثير.
اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، وموازنة تعتمد على الإيرادات النفطية، وقطاع عام ضخم، وإنتاج محلي يحتاج إلى تطوير، واستيراد واسع، ومشكلات مزمنة في الإدارة والإنفاق، كلها عوامل تجعل الاقتصاد هشا أمام أي صدمة.
العراق ليس بلدا فقيرا بالموارد. وهذه حقيقة يجب ألا ننساها. لدينا النفط، ولدينا الأراضي الزراعية، ولدينا موقع جغرافي مهم، ولدينا سوق كبيرة، وموارد بشرية، وإمكانات سياحية وصناعية وتجارية هائلة.
لذلك فإن السؤال المحرج ليس: من أين نأتي بالمال؟ بل: أين تذهب الأموال التي يمتلكها العراق أصلا؟
وهذا السؤال يقودنا إلى جوهر المشكلة. لماذا تكون أسهل الحلول على حساب المواطن؟
من السهل على الحكومة أن تتخذ قرارا ماليا يؤثر في ملايين المواطنين؛ لأن المواطن لا يملك في مواجهة القرار سوى راتبه المحدود.
لكن إصلاح الإدارة، ومحاربة الفساد، ومراجعة العقود، وضبط الإنفاق، وملاحقة التهرب الجمركي والضريبي، وتحسين إدارة المؤسسات الحكومية، ومحاسبة المقصرين، كلها ملفات أصعب سياسيا وإداريا.
ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس في قرار اقتصادي واحد، وإنما في أن تتحول سهولة تحميل المواطن الكلفة إلى منهج دائم في إدارة الأزمات.
إذا كانت هناك فجوة مالية، فلماذا لا تبدأ المعالجة من أبواب الهدر؟
إذا كان هناك ضعف في الإيرادات، فلماذا لا يجري إصلاح النظام الضريبي والجمركي؟
إذا كانت هناك مشكلة في الإنفاق، فلماذا لا تتم مراجعة الإنفاق غير الضروري والامتيازات والمشاريع المتعثرة؟
وإذا كانت هناك شبهات فساد، فلماذا لا تكون المحاسبة سريعة وشفافة وفق القانون؟
هذه الأسئلة ليست اتهامات لأشخاص بعينهم، لكنها أسئلة مشروعة يجب أن تطرحها أي دولة تطلب من مواطنيها تحمل إجراءات اقتصادية مؤلمة.
بين الاتهام والحقيقة
ومن الضروري هنا أن نكون واضحين.
القول إن السبب الحقيقي لخفض قيمة الدينار هو «فشل الحكومة» أو أن الحكومة تعمدت تحميل المواطن نتائج فشلها هو موقف سياسي وتحليل يحتاج إلى أدلة، ولا يصح تقديمه باعتباره حقيقة مثبتة من دون وثائق أو بيانات رسمية ومستقلة.
لكن هذا لا يمنع من انتقاد أداء الحكومة ومساءلتها.
فالحكومة التي تتخذ قرارا يؤثر في القوة الشرائية لملايين المواطنين مطالبة بأن تقدم تفسيرا واضحا: ما الضرورة الاقتصادية للقرار؟ ما البدائل التي درستها؟ ما المدة المتوقعة لآثاره؟ وكيف ستتم حماية أصحاب الدخول المحدودة؟
المواطن لا يطلب المستحيل. إنه يطلب فقط أن يعرف لماذا يدفع، ومن سيدفع معه؟
الموظف ليس ماكينة صراف آلي للدولة.
من أكثر الأخطاء شيوعا التعامل مع رواتب الموظفين وكأنها مجرد رقم يمكن تجميده أو تخفيض قيمته الحقيقية كلما واجهت الموازنة مشكلة.
الموظف له أسرة، واحتياجات، وإيجار، ونقل، وتعليم، ودواء، والتزامات شهرية.
والمتقاعد الذي أمضى سنوات في خدمة الدولة ليس مسؤولا عن أخطاء السياسات المالية.
وصاحب الدخل المحدود لا يستطيع أن يحول أمواله إلى الدولار أو الذهب أو العقار كلما تغير سعر الصرف. لذلك فإن أي سياسة اقتصادية لا تضع هذه الفئات في مقدمة حساباتها هي سياسة تنظر إلى الاقتصاد من أعلى، ولا تراه من الشارع.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من الدولة
إذا كانت الحكومة تريد من المواطن أن يتحمل الإصلاح، فعليها أولا أن تقدم نموذجا للإصلاح داخل مؤسساتها. الإصلاح يبدأ من ضبط الإنفاق، ووقف الهدر، وتحسين إدارة الموارد النفطية، وتطوير الضرائب والجمارك، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ومواجهة الفساد وفق القانون، وإصلاح الشركات والمؤسسات الحكومية المتعثرة.
الإصلاح لا يعني فقط البحث عن المزيد من الأموال من جيب المواطن. الإصلاح يعني أيضا أن تحصل الدولة على أفضل قيمة مقابل كل دينار تنفقه. فكل دينار يهدر في مشروع غير منتج هو في النهاية دينار كان يمكن أن يستخدم في تحسين الخدمات أو دعم الإنتاج أو خلق فرصة عمل.
لا يمكن بناء اقتصاد قوي بجيب المواطن وحده. العراق يحتاج إلى رؤية اقتصادية تتجاوز سعر الدولار.
نحتاج إلى اقتصاد ينتج، لا اقتصاد يستهلك فقط. نحتاج إلى صناعة تستطيع المنافسة، وزراعة حديثة، وقطاع خاص حقيقي، ونظام مصرفي قوي، وبيئة استثمار مستقرة، وسياحة قادرة على خلق الإيرادات، وشباب يجدون فرصا للعمل خارج الوظيفة الحكومية.
أما الاستمرار في الاعتماد على النفط ثم البحث في كل أزمة عن طريقة لتحميل المواطن جزءا أكبر من الكلفة، فلن ينتج اقتصادا قويا، بل سيعمق المشكلة.
المواطن يريد عدالة قبل أن يريد المعجزات. المواطن العراقي لا يرفض الإصلاح، ولا يرفض القرارات الصعبة إذا كانت ضرورية. لكنه يريد شيئا أبسط من ذلك بكثير: العدالة.
إذا كانت الدولة تطلب منه التضحية، فعليها أن تظهر له أن أصحاب القرار والمؤسسات الحكومية يتحملون مسؤولياتهم أيضا.
وإذا كان المطلوب تقليل الإنفاق، فيجب أن يبدأ ذلك من الإنفاق غير الضروري قبل المساس بالقوة الشرائية للمواطن.
وإذا كانت هناك مواجهة مع الفساد، فيجب أن تكون مواجهة حقيقية لا مجرد شعارات.
وإذا كان خفض قيمة الدينار ضرورة اقتصادية، فيجب أن تكون هناك خطة واضحة لحماية الفئات الأكثر تضررا. أما أن ترتفع الأسعار، وتتراجع القوة الشرائية، ويبقى الراتب على حاله، ثم يقال للمواطن «تحمل»، فهذه ليست وصفة لبناء الثقة.
خفض قيمة الدينار قد يكون له مبررات اقتصادية في ظروف معينة، وقد يوفر للحكومة بعض المكاسب المالية، لكنه في الوقت نفسه يحمل كلفة اجتماعية لا يجوز تجاهلها. والحكم على القرار لا يجب أن يكون سياسيا فقط، ولا أن يكون ماليا فقط؛ بل يجب أن يكون وفق سؤال بسيط:
هل أصبح الاقتصاد العراقي بعد القرار أكثر إنتاجا واستقرارا وعدالة، أم أن المواطن أصبح فقط أكثر فقرا؟  فالمواطن لا يريد أن يسمع أن المشكلة في سعر الدولار فقط. يريد أن يعرف لماذا لم يستطع اقتصاد بلد غني بالنفط والموارد والإمكانات أن يحمي قوته الشرائية.
ولا يريد اتهامات بلا أدلة، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن تتحول عبارة «الإصلاح الاقتصادي» إلى غطاء لتحميل الفئات الأضعف وحدها كلفة أخطاء لا يد لها فيها.
الدولة القوية لا تبدأ إصلاحها من جيب المواطن، بل تبدأ أولا بإصلاح نفسها.
وإذا كانت الحكومة جادة في بناء اقتصاد مستدام، فعليها أن تثبت ذلك بالأفعال: إدارة أفضل للمال العام، مكافحة حقيقية للفساد، تقليل الهدر، تنويع الاقتصاد، دعم الإنتاج، وحماية القوة الشرائية للمواطن. عندها فقط يمكن أن يقتنع المواطن بأن ما يدفعه اليوم هو ثمن إصلاح حقيقي لمستقبل أفضل، وليس مجرد فاتورة جديدة لأزمة.

شاهد المزيد

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket