ياسين الراوي… ملحنٌ نقش صوته في ذاكرة العراق

الوسائط المتعدده 08:48 PM - 2026-09-25
الملحن العراقي الراحل ياسين الراوي PUKMEDIA AI

الملحن العراقي الراحل ياسين الراوي

العراق

الملحن الكبير الذي عمل خلف الستار وعرف قليلا ولكنه عمل كثيرا ... 

في تاريخ الأغنية العراقية، تبرز أسماء صنعت ملامحها ووجدانها، لكن قلة منهم استطاعت أن تترك أثراً عميقاً ومستداماً كما فعل الملحن ياسين محمود الراوي. لم يكن مجرد ملحن يقدّم ألحاناً عابرة، بل كان صانع مزاج موسيقي كامل، يلتقط روح الناس ويحوّلها إلى نغم يعيش طويلاً.
وُلد ياسين الراوي عام 1936 في جنوب العراق، في بيئة غنية بالإيقاع الشعبي والتنوع الثقافي، وهو ما انعكس لاحقاً في أعماله. وعلى الرغم من أن أصوله تعود إلى مدينة راوة، إلا أن نشأته في البصرة، وتحديداً في أبي الخصيب، منحته حساً موسيقياً قريباً من الماء والنخيل والهواء المفتوح، وهي عناصر يمكن تلمّسها في انسيابية ألحانه.

انتقل إلى بغداد مبكراً، حيث درس في دار المعلمين، وهناك بدأت ملامح مشروعه الفني تتشكل بوضوح. لم يكن تعلّمه أكاديمياً فحسب، بل كان أيضاً فطرياً، فقد أتقن آلة الناي بالسماع، قبل أن يدرس العود والأكورديون، ما جعله موسيقياً متعدد الأدوات، واسع الخيال. كما تعلّم على يد الأستاذ أكرم رؤوف، وتعمّق في علوم الموسيقى، واطّلع على فنون الموشحات، ما عزّز أدواته الفنية مبكراً.وفي سنوات دراسته ببغداد، انفتح ياسين الراوي على الحركة الموسيقية المزدهرة في العاصمة، فجمع بين الدراسة الأكاديمية والتطبيق العملي، وواصل صقل موهبته في العزف والتلحين، حتى أصبح من الموسيقيين القلائل الذين أتقنوا العزف على أكثر من آلة، وهو ما انعكس بوضوح على ثراء ألحانه وتنوعها، وقدرته على الانتقال بسلاسة بين المقام العراقي واللحن الحديث دون أن يفقد هويته الفنية.

التحاقه بالإذاعة العراقية عام 1957 كان نقطة التحول الحقيقية ،ولم يقتصر نشاطه في الإذاعة على التلحين، بل شارك أيضاً في إعداد وتقديم البرامج الموسيقية، وأسهم في تقديم مواد إذاعية هدفت إلى نشر الثقافة الموسيقية واكتشاف المواهب الجديدة، فجمع بين دور الملحن والإعلامي والمربي ، إذ وجد نفسه في قلب المشهد الفني، محاطاً بأصوات كبيرة، فبدأ بتقديم ألحانه التي سرعان ما لاقت قبولاً واسعاً. ومنذ تجربته الأولى في التلحين عام 1958، بأغنية "يوم الثائرين" ، بدأ اسمه يترسخ كملحن يمتلك حساً خاصاً في بناء الجملة الموسيقية. ومن اللافت أن بداياته لم تقتصر على التلحين، فقد كتب كلمات أغنيته الأولى "يوم الثائرين" ولحّنها وغناها الفنان عباس جميل، في تجربة كشفت عن موهبته المبكرة في التعامل مع الكلمة واللحن معاً

لم يكتفِ الراوي بالتلحين، بل كان مؤمناً بأن مسؤولية الفنان تمتد إلى اكتشاف الأجيال الجديدة ورعايتها. ومن خلال برنامجه الإذاعي "ركن المواهب" قدّم عدداً من الأصوات التي أصبحت لاحقاً من أعمدة الأغنية العراقية، مثل فاضل عواد وصلاح عبد الغفور وغيرهما، كما لحّن مئات الأغاني العاطفية ، إضافة إلى أعمال خاصة بالإذاعة والتلفزيون، مما جعله واحداً من أكثر الملحنين حضوراً في المشهد الموسيقي العراقي خلال ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

أما على مستوى الألحان، فقد ترك إرثاً غنياً ومتنوّعاً، جمع بين الرومانسية والوجد الشعبي، وبين البساطة والعمق. ومن أبرز أعماله المرتبطة بشعرائها ومطربيها:
- حلوين ويدرون نحبهم" (كلمات: كريم العراقي، ألحان: ياسين الراوي، غناء: مائدة نزهت)
"- يالمّاشي لمحبوبي" (كلمات: كريم العراقي، ألحان: ياسين الراوي، غناء: ياس خضر)
- "عاتبتك" (كلمات: غازي ثجيل، ألحان: ياسين الراوي، 
غناء: أنوار عبد الوهاب)

4- "عطاشى يا جرف الماي" (كلمات: غازي ثجيل، ألحان: ياسين الراوي، غناء: أنوار عبد الوهاب)

- "حيرني المحبوب" (كلمات: جودت التميمي، ألحان: ياسين الراوي، غناء: عفيفة إسكندر)

"مراضيتك" (كلمات: زهير الدحيلي، ألحان: ياسين الراوي، غناء: مائدة نزهت)

"لو يمنعوني أهلي" (كلمات: كاظم عبد الجبار، ألحان: ياسين الراوي، غناء: فاضل عواد)

"أشكر بشامة" (كلمات: حسن الخزاعي، ألحان: ياسين الراوي، غناء: فاضل عواد)

"هل العيد" (كلمات: كاظم عبد الجبار، ألحان: ياسين الراوي، غناء: فاضل عواد)

"لو هواكم" (كلمات: كريم خليل، ألحان: ياسين الراوي، غناء: صلاح عبد الغفور)

"ليلة الكمر معزوم" (كلمات: غازي ثجيل، ألحان: ياسين الراوي، غناء: حسين نعمة)

"خليني بحالي" (كلمات: كريم اللامي، ألحان: ياسين الراوي، غناء: رياض أحمد)

"مسافرين" (كلمات: غازي ثجيل، ألحان: ياسين الراوي، غناء: ياس خضر)

"هجرك حبيبي شخلة" (كلمات: غير مثبت بدقة، ألحان: ياسين الراوي، غناء: ياس خضر)

"دور بينه يا عشق دويرة" (كلمات: غير مثبت، ألحان: ياسين الراوي، غناء: مائدة نزهت وفاضل عواد)

كما لحّن لفؤاد سالم:
"درب الشوك" (كلمات: علي العضب، ألحان: ياسين الراوي، غناء: فؤاد سالم)
"نسينه يا هوى نسينه" (كلمات: زامل سعيد فتاح، ألحان: ياسين الراوي، غناء: فؤاد سالم)

ومن أعماله الأخرى:
"ظفاير سود" (غناء: داود العاني)
"جالي الكوت" (كلمات: أحمد عبد الجبار، غناء: صباح غازي)
"على چف العتاب" (كلمات: كاظم الشطري، غناء: ستار جبار)
"عايفينه" (كلمات: داود الغنام، غناء: صباح السهل).

تعاون ياسين الراوي مع نخبة من أبرز شعراء الأغنية العراقية، من بينهم كريم العراقي، وغازي ثجيل، وزامل سعيد فتاح، وكاظم عبد الجبار، وجودت التميمي، وحسن الخزاعي، وزهير الدحيلي، وعلي العضب، وغيرهم، وكان يحرص على تنويع تجاربه الشعرية، الأمر الذي منح ألحانه ثراءً في الموضوعات والأساليب.

كان ياسين الراوي يؤمن بأن نجاح الأغنية يبدأ من احترام الكلمة، لذلك كان يحرص على قراءة النص أكثر من مرة قبل الشروع في تلحينه، ويبحث عن الجملة الموسيقية التي تخدم المعنى ولا تطغى عليه. ولهذا جاءت ألحانه متوازنة، بعيدة عن الاستعراض، وقريبة من وجدان المستمع.

تميّزت ألحان ياسين الراوي بقدرتها على ملامسة الجمهور دون تعقيد، إذ كان يميل إلى الجملة الواضحة التي تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها محمّلة بإحساس عميق، وكان يعرف كيف يختار الطبقة المناسبة للصوت ويمنح المطرب مساحة للتعبير. كما تأثرت ألحانه باللون البغدادي رغم نشأته البصرية، وكان يجيد العزف على عدد من الآلات الموسيقية، واستفاد من خبرته في توظيفها داخل البناء اللحني، بما منح أعماله تنوعاً في اللون والتعبير . وتكشف أعماله عن ميل إلى بناء اللحن تدريجياً، يبدأ بجملة موسيقية هادئة ثم تتوسع من دون افتعال، مع اهتمام واضح بالمقدمات الموسيقية والجمل الانتقالية، بما يمنح الأغنية تماسكاً وانسيابية. كما حرص على أن يبقى اللحن خادماً للكلمة، لا منافساً لها.

مع كثرة اعماله ، فإنه لم يكن من الملحنين الذين يتعاملون مع التلحين بوصفه إنتاجاً كمياً، بل كان شديد العناية بالتفاصيل، يمنح كل لحن وقته حتى يخرج بالصورة التي يريدها، لذلك بقيت أعماله حيّة في الذاكرة.

غير أن سنواته الأخيرة كانت قاسية، إذ عانى من التهميش والإحباط في ظل الظروف الصعبة التي مر بها العراق.

توفي الملحن ياسين الراوي عام 2005، تاركاً خلفه إرثاً موسيقياً كبيراً، وحلماً لم يكتمل بأن تنطلق الأغنية العراقية إلى فضائها العربي الأوسع عبر كلمات واضحة وألحان رشيقة محكمة البناء.

عُرف ياسين الراوي بين زملائه بالهدوء والتواضع، وابتعاده عن الأضواء والصراعات الفنية، فكان يفضّل أن تتحدث ألحانه عنه بدلاً من التصريحات الإعلامية، وهو ما أكسبه احترام الفنانين الذين عملوا معه.

إن الحديث عن ياسين الراوي هو حديث عن مرحلة كاملة من تاريخ الأغنية العراقية، وعن ملحن عرف كيف يكتب اسمه بالنغم لا بالكلمات، وكيف يجعل من اللحن ذاكرةً لا تُنسى. ستبقى ألحانه حيّة في قلوب عشاق الفن الأصيل، شاهدةً على موهبةٍ نادرة وزمنٍ جميل.

PUKMEDIA

شاهد المزيد

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket