أزمة سبتة.. موجة هجرة غير مسبوقة تهز حدود الاتحاد الأوروبي الجنوبية

العالم 10:54 AM - 2026-08-01
مدينة سبتة وكالات

مدينة سبتة

شهد جيب سبتة الإسباني في شمال إفريقيا تدفقا استثنائيا للمهاجرين القادمين من المغرب، في واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي واجهتها المنطقة، بعدما تمكن عشرات الآلاف من عبور الحدود خلال فترة وجيزة، وسط مشاهد فوضوية وضغوط متزايدة على السلطات الإسبانية.

وقدّرت السلطات الإسبانية والمحلية عدد الذين تمكنوا من دخول سبتة بنحو 50 ألف شخص، فيما أشارت تقديرات أخرى إلى أن العدد اقترب من 60 ألفا في ذروة الأزمة.

الموقع والأهمية الاستراتيجية لسبتة

سبتة ومليلة مدينتان تقعان على الساحل المتوسطي لشمال المغرب، وتتمتعان بالحكم الذاتي، وتشكلان الحدود البرية الوحيدة بين أفريقيا والاتحاد الأوروبي.

تخضع المدينتان للإدارة الإسبانية منذ قُرون، فيما يعتبرهما المغرب "مدينتين مُحتلّتين" ويؤكد باستمرار أن استعادتهما تظل جزءاً من وحدة أراضيه.

وتكتسب المدينتان أهمية استراتيجية كبيرة، لأن الوصول إليهما يعني عملياً الوصول إلى أراضي الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي جعلهما من أبرز نقاط العبور للمهاجرين غير النظاميين الساعين للوصول إلى أوروبا، إلى جانب جزر الكناري على الساحل الأطلسي الخاضعة لإسبانيا أيضاً.

المدينتان محاطتان بسياج مزود بأسلاك شائكة لتأمين الحدود، وشهدتا في السنوات الأخيرة تعزيزاً للسياج وزيادة في أعداد الحراس، ورغم ذلك، يحاول آلاف المهاجرين، ومعظمهم من الأفارقة، عبور الحدود سنوياً، وتعمل على منعهم السلطات المغربية.

بداية أزمة الهجرة وتطوراتها

بدأت الأزمة خلال الأيام القليلة الماضية مع تدفق غير مسبوق لمواطنين مغاربة نحو سبتة وبلغت ذروتها الخميس، حيث شوهد الآلاف يتجاوزون الحدود البرية لمدينة الفنيدق القريبة من سبتة، قبل أن يصلوا إلى السياج ثم يلجأون إلى القفز فوقه أو الإبحار ثم الدخول إلى سبتة.

قالت وزارة الداخلية الإسبانية إن نحو 50 ألف شخص دخلوا المدينة خلال فترة قصيرة، فيما قدر رئيس الحكومة المحلية لسبتة العدد بنحو 60 ألفاً، بينما يبلغ عدد سكان المدينة نحو 85 ألف نسمة. وأضافت السلطات الإسبانية أن أكثر من نصف الوافدين عادوا لاحقاً إلى المغرب، سواء طوعاً أو في إطار عمليات الإعادة.

تُعد هذه واحدة من أكبر محاولات الوصول إلى الأراضي الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، وأسفرت عن غرق ما لا يقل عن 34 شخصاً، بحسب ما أعلنت وسائل إعلام إسبانية.

وصل المهاجرون بطرق مختلفة، إذ سبح كثيرون عبر البحر، بينما حاول آخرون تسلق السياج الحدودي الفاصل بين مدينة الفنيدق ومدينة سبتة، في وقت دفعت فيه السلطات المغربية بتعزيزات أمنية وشاحنات مزودة بمدافع مياه لإبعاد التجمعات ومنع المزيد من محاولات العبور، بينما نشرت إسبانيا قوات عسكرية على الجانب الآخر من الحدود.

ولم يصدر حتى الآن أي بيان رسمي من وزارة الداخلية المغربية أو تعليق حكومي بشأن التطورات، كما لم تنشر وكالة الأنباء الرسمية أي خبر عن الحادث. والملاحظ أن التوافد لم يكن فقط من المدن المغربية القريبة، بل حتى المدن البعيدة بعدما راجت الأنباء أن الحدود مفتوحة إلى حد كبير.

وتقع سبتة بالقرب من مدينة الفنيدق، وهي مدينة صغيرة تشكل بداية سلسلة من المدن الصغيرة شمال المغرب، تضم مدينتي المضيق ومارتيل، اللتين تعدان الوجهة الرئيسية للسياحة في فصل الصيف، حيث يتوافد إليهما المغاربة من أغلب المدن، ولعل هذا الأمر كان عاملاً أسهم في ارتفاع أعداد المتوافدين.

تأثير حكم المحكمة العليا الإسبانية على موجة العبور

يربط مسؤولون إسبان بين موجة العبور الأخيرة وحكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في يوليو الماضي، اعتبر أن المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة أو مليلية عبر البحر لا يمكن إعادتهم فوراً، بل يجب إخضاعهم لإجراءات الترحيل القانونية المنصوص عليها في التشريعات الإسبانية والأوروبية.

ويختلف هذا الوضع عن المهاجرين الذين يجري اعتراضهم أثناء محاولة اجتياز السياج الحدودي، إذ تظل الإعادة الفورية مطبقة في بعض الحالات وفق الإطار القانوني المعمول به.

وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن شبكات تهريب البشر استغلت الحكم القضائي وروجت بين المهاجرين لفكرة أن الوصول إلى سبتة بحراً يضمن البقاء داخل الأراضي الإسبانية، وهو ما نفاه، مؤكداً أن السلطات ستعيد الوافدين غير النظاميين بالتنسيق مع المغرب.

واعتبر مسؤولون أن الحكم شجع على زيادة محاولات الهجرة إلى إسبانيا، ما أدى إلى تصاعد الضغوط على مراقبة الحدود البرية التي يتولاها المغرب وإسبانيا كل من جانبه.

وفي بيان لها، أشادت وزارة الداخلية الإسبانية بـ"التعاون النموذجي" مع المغرب في جميع المجالات، بما فيها الهجرة. كما شكر وزير الداخلية الإسباني فرناندو جراندي مارلاسكا السلطات المغربية على الجهود التي بذلتها قوات الأمن المغربية في الأيام الأخيرة، والتي أحبطت آلاف محاولات الهجرة غير النظامية.

الأزمة تتحول إلى قضية أوروبية

لا ينظر الاتحاد الأوروبي إلى ما يجري في سبتة باعتباره أزمة محلية تخص إسبانيا فقط، لأن المدينة تمثل إحدى الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وأي خلل في ضبطها ينعكس على منطقة شنغن التي تتيح حرية التنقل بين معظم الدول الأوروبية.

ودفعت الأزمة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني إلى المطالبة بتعليق عضوية إسبانيا في منطقة شنغن، كما اتخذت فنلندا موقفاً مماثلاً لإيطاليا. وذهبت إيطاليا أبعد من ذلك، إذ أعلنت إغلاق الحدود البحرية والجوية مع إسبانيا، وفق وكالة الأنباء الإيطالية.

كما شددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على ضرورة حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، مؤكدة أن "الصور الواردة من سبتة غير مقبولة".

ودعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء السويدي أولف كريستيرسون الحكومة الإسبانية إلى استعادة السيطرة على الوضع سريعاً، فيما أعلنت فرنسا تشديد الرقابة على حدودها مع إسبانيا.

واتبعت إسبانيا سياسة أكثر ترحيباً بالهجرة مقارنة بكثير من دول الاتحاد الأوروبي، وطرحت أخيراً خطة واسعة النطاق لتسوية أوضاع نحو مليون مهاجر غير نظامي.

ورد سانشيز على الانتقادات، ولا سيما الإيطالية، مؤكداً أن "التضامن والتعاطف خيار، لكن احترام المعاهدات الأوروبية ليس خياراً"، مستشهداً ببيانات وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية (فرونتكس)، التي أظهرت أن إيطاليا سجلت أعلى عدد من حالات الدخول غير النظامي إلى الاتحاد الأوروبي بين عامي 2021 و2026.

الدعم الأوروبي للمغرب في إدارة الهجرة

يُعد المغرب أحد أهم شركاء الاتحاد الأوروبي في إدارة الهجرة، فبالإضافة إلى المدينتين اللتين تشكلان الحدود البرية الوحيدة بين أفريقيا وأوروبا، تبعد أقرب نقطة بين المغرب وإسبانيا بنحو 14 كيلومتراً عبر مضيق جبل طارق.

ويرتبط المغرب والاتحاد الأوروبي باتفاقية شراكة دخلت حيز التنفيذ عام 2000، وخضعت للمراجعة عام 2015، وتشمل مكافحة شبكات تهريب البشر، وتعزيز مراقبة الحدود، ودعم برامج العودة الطوعية، والتعاون الأمني وتبادل المعلومات.

وبحسب أحدث البيانات الأوروبية، بلغت قيمة الدعم الأوروبي للمغرب خلال الفترة 2021-2025 نحو 1.15 مليار يورو لقطاعات مختلفة، فيما خُصص نحو 193 مليون يورو لقطاع الهجرة خلال الفترة 2021-2024، لدعم إدارة الحدود، والهجرة القانونية، وبرامج العودة الطوعية، ومكافحة تهريب المهاجرين، وحماية المهاجرين.

العلاقات المغربية الإسبانية

رغم الملفات العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها قضية سبتة ومليلية، فإن العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا تمر بأفضل مستوياتها، بعدما أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عام 2022 دعمه مبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء.

إلا أن هذا الموقف لا يحظى بإجماع داخل الائتلاف الحكومي الإسباني، إذ تعارض بعض الأحزاب التقارب مع الرباط في هذا الملف، كما لا يزال ملف نقل إدارة المجال الجوي في الصحراء إلى المغرب قيد المناقشات بين الجانبين.

الأزمة الحالية وسوابقها

ليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها سبتة إلى أزمة هجرة بين المغرب وإسبانيا، ففي مايو 2021 دخل نحو ثمانية آلاف شخص المدينة خلال يومين، في واحدة من أكبر أزمات الهجرة بين البلدين، قبل أن تنجح مدريد والرباط في احتواء الموقف وإعادة معظم الوافدين.

ومنذ ذلك الحين عزز الجانبان التعاون الأمني، لكن المدينتين ظلتا من أكثر النقاط حساسية على الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.

وتكشف الأزمة الحالية أن سبتة، رغم مساحتها الصغيرة، لا تمثل مجرد مدينة حدودية، بل أصبحت اختباراً لسياسات الهجرة الأوروبية، ولقدرة إسبانيا والاتحاد الأوروبي على التوفيق بين حماية الحدود والالتزام بالقوانين الدولية، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية مع تصاعد الهجرة وصعود الأحزاب اليمينية في أنحاء القارة.

PUKMEDIA

شاهد المزيد

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket