أعلام جديد لحزب عريق

الآراء 01:20 PM - 2026-07-29
ستران عبدالله PUKMEDIA

ستران عبدالله

ستران عبدالله

أصبح استخدام منصات الإعلام الجديد بجميع خياراتها المتاحة في الحركات السياسية والعمل الحزبي ظاهرةً من ظواهر العصر، ومحطةً جديدة في مسار اندماج الصحافة والإعلام في ميدان النشاط الحزبي والنضال السياسي. وهذا أمر تحتاج إليه جميع الأحزاب في العالم، ولا سيما أحزاب كردستان بمختلف توجهاتها.
لطالما شكّلت الحرية والديمقراطية نقطة الالتقاء بين العمل الحزبي والإعلام بصورة عامة؛ فكلاهما يحتاج إلى الحرية بوصفها مبدأً، وإلى الديمقراطية بوصفها أسلوبًا في ممارسة العمل السياسي وإدارة التنافس والصراعات.
وكانت دعوات الأحزاب إلى الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية الصحافة، تتصدر مطالبها في إطار بناء النظام السياسي وتدشين الانفتاح السياسي والاجتماعي في البلاد. غير أن هذه المطالب كانت دائمًا عرضة للقمع في ظل الأنظمة الدكتاتورية، وكذلك في ظل سلطات الاحتلال.
وكان منح حرية الصحافة يعني، في الوقت نفسه، منح الأحزاب حق إصدار صحفها ومنشوراتها السياسية والفكرية، كما أن ممارسة الحريات السياسية كانت تبدأ أولًا من خلال المنابر الصحفية. ونحن هنا نتحدث عن مرحلة تاريخية ليست ببعيدة ، حين لم يكن أمام الحركات السياسية داخل البلاد سوى فرص إصدار الصحف والمطبوعات، بينما كان البث الإذاعي والتلفزيوني حكرًا على الدولة، لم يكن يُتاح للأحزاب التعبير عن آرائها عبر الإذاعة أو التلفزيون الرسمي إلا في ظل نظام ديمقراطي، أو بعد انتقال السلطة، أو خلال فترات قصيرة ومؤقتة من الانفتاح السياسي. لذلك كان المصطلح الشائع آنذاك هو «حرية الصحافة»، وليس «حرية وسائل الإعلام».
وفي مرحلة الصحافة الحزبية الهادفة، وبصورة عامة خلال العصر الذهبي للصحافة الورقية، كانت الصحف الحزبية، مثل (خبات النضال) و «كوردستان»  و «صحفة النور» ، تحقق في كثير من الأحيان مردودًا ماليًا واستثماريًا، شأنها شأن أي مشروع تنافسي. أما بفضل قوة محتواها، او أنتماء الجماهير للقضية الكردية والديمقراطية، الالتزام بها فضلًا عن العائدات المتأتية من الإعلانات. وهكذا أصبحت هذه الصحف مصدرًا للدخل والتمويل بالنسبة للأحزاب، بدلًا من أن تكون عبئًا ماليًا عليها، كما هو الحال في الوقت الحاضر.
في المقابل، كانت الإذاعة تمثل آنذاك الجهاز الدعائي الداخلي للأحزاب، سواء أثناء الثورات وفي المناطق المحررة، أو في المنفى والعمل السري للثوار، حيث كانت الإذاعات تبث رسائلها متجاوزةً رقابة السلطات ومحاولات التشويش عليها. وقد تجلى ذلك بوضوح في الثورات الكردية، إذ كان يتعين حماية أجهزة الإرسال والرادار من التشويش، وإخفاء مواقع محطات البث عن القصف اليومي الذي كانت تشنه طائرات العدو.
ومع ذلك، كانت الأحزاب، سواء في البلدان التي تمر بمرحلة انفتاح سياسي، أو في ظروف العمل السري والثوري، تُولي اهتمامًا أكبر بالمطبوعات والمنشورات؛ كالصحف والمجلات والكتيبات والنشرات، بل وحتى المنشورات السرية التي عُرفت في تجربة المعارضة خلال العهدين القاجاري والبهلوي في أيران. فمع أن الإذاعة كانت تصل إلى جمهور أوسع، فإن المطبوعات كانت تتيح مساحة أكبر للشرح والتحليل، وهو ما كان أكثر فاعلية في ترسيخ قيم النضال وتعزيز القناعة السياسية والفكرية، وإعداد الكوادر الحزبية وإقناع الأنصار.
وفي أطار الثورة الكردية الجديدة لشعبنا. فقد رأى الرئيس جلال طالباني، في الخطة الأولى لانطلاق الثورة، المسماة خط رزكاري (التحرير) ضرورة تأسيس «فرق الدعاية المسلحة»، وهي وحدة لم يكن دورها خوض المعارك أو الاشتباكات المسلحة، وإنما توزيع الكتيبات والمنشورات الحزبية والثورية في القرى والأرياف وضواحي المدن، بحماية مقاتلي البيشمركة، بهدف نشر فكر الاتحاد الوطني الكردستاني وأهداف الثورة بين الجماهير.
وبعد أن أصبحت الثورة تسيطر على مناطقها المحررة، أنشأت مطابع ومراكز للطباعة و أصدرت مختلف أنواع المنشورات: الإخبارية، والفكرية، والسياسية، والأدبية، والثقافية ذات الطابع الثوري، إلى جانب إذاعة «صوت شعب كردستان»، التي اضطلعت بدور حاسم ومؤثر في دعم الثورة وتوجيهها.
فضاء القنوات الفضائية
جاء عصر البث الفضائي قبل عصر المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية. وقد تمكنت الأحزاب الحاكمة من توظيف المنابر الفضائية الرسمية التابعة للدولة، كما استطاعت، وفقًا لقوانين بلدانها، إنشاء منابر إعلامية رديفة (منابر الظل أو سيبرانية) توصل من خلالها رسائلها وقيمها إلى المواطنين بصورة غير مباشرة. أما الأحزاب المعارضة التي كانت تمتلك إمكانات مالية وتنظيمية كبيرة، فقد استطاعت هي الأخرى أن تبث قنواتها الفضائية من خارج البلاد لتصل إلى بيوت جميع المواطنين، سواء كانوا من أنصارها أو من خصومها، شريطة ألا تكون الدولة قد حظرت استقبال البث الفضائي.
ومع ظهور المواقع الإلكترونية، انتهى عمليًا الحصار الإعلامي الذي كان يُفرض على الأحزاب المختليفة في مختلف أنحاء العالم، سواء كانت تعمل بصورة قانونية أو سرية، أو كانت أحزابًا معارضة ديمقراطية أو حتى جماعات تُصنَّف على أنها «إرهابية». غير أن الضغوط بمختلف أشكالها، من رقابة إلكترونية، وحجب للمواقع، أجهزة تشويش أمنية وسياسية تفرضها الدول على الأحزاب والقوى المعارضة، ظلت قادرة، على غرار عمليات التشويش التي كانت تُمارس ضد إذاعات الثورة، على الحد من انتشار الأفكار والرسائل التي تبثها المنابر الإلكترونية. ومع ما وفرته تكنولوجيا الاتصال من فرص متقدمة عبر الإنترنت والمواقع الإلكترونية وتطبيقاتها المختلفة، مثل المدونات وبرامج المحادثة كـ«ماسنجر» و«بالتوك»، أدركت الأحزاب والمؤسسات السياسية، رغم حاجتها الماسة إلى هذه المنصات، أن جمهورها المستهدف كله لم يكن قد استوعب بعد هذه الفرص الإعلامية الجديدة أو لم يمتلك القدرة التقنية على استخدامها، كما أن أجهزة الحاسوب ومتطلبات الاستفادة من الإنترنت كانت لا تزال محدودة الانتشار في الدول الفقيرة والنامية. صحيح أن التطور التقني كان سريعًا، لكن انتشار ثقافة الاستخدام واكتساب المهارات اللازمة كان يسير ببطء، إلى أن جاءت الثورة الرقمية والقفزة الكبرى التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أُطلق عليها اسم «الإعلام الجديد»، لتنقل المشهد الإعلامي كله إلى مرحلة مختلفة. فقد ازداد عدد الشركات المتخصصة، وتعاظمت قدرات المنصات الرقمية، وأصبحت أكثر جاذبية واستقطابًا للمستخدمين.
القفزة الكبرى
إن ظهور الإعلام الجديد وتعدد منصاته، التي ما تزال تتزايد وتتوسع باستمرار حتى أصبح من الصعب حصرها دون أن نضيف عبارة «وغيرها»، يمثل، من ناحية، امتدادًا طبيعيًا لتاريخ تطور وسائل الإعلام وتقنياتها. لكنه، من ناحية أخرى، أحدث تحولًا جذريًا مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية، ووسّع مجالات الخدمة والاستخدام إلى درجة يمكن معها الحديث عن قطيعة نوعية بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد. وقد تمثلت أهم ملامح هذا التحول في توسيع مساحة مشاركة الجمهور. فلم يعد المتلقي، سواء كان قارئًا أو مستمعًا أو مشاهدًا، مجرد مشارك محدود (ضيف مهذب) كما كان في المرحلة الذهبية من ديمقراطية الإعلام التقليدي، بل أصبح هو نفسه منتجًا للمحتوى الإعلامي، وصانعًا للرسائل والمنصات، بل وأصبح قادرًا على إعادة توظيف مواد الإعلام التقليدي بما يتوافق مع حاجاته وأهدافه. فبإمكانه أن يقتطع جزءًا من عمل إعلامي تقليدي، ويعيد تحريره، ويمنحه عنوانًا جديدًا، ثم يدمجه مع مواد أخرى لإنتاج عمل مختلف يخدم غاية جديدة. وليس من الضروري أن تكون هذه الغاية سلبية أو مضللة؛ فقد تكون أيضًا خدمةً لقضية نبيلة، أو توظيفًا إيجابيًا، أو محاولة لربط موضوعات متقاربة وإنتاج رسالة ذات قيمة.
فعلى سبيل المثال، قد يجمع أحد مستخدمي الفيسبوك بين مشاهد لشخصية نجم سينمائي ومقاطع من أفلامه لإعداد مادة تعريفية أو سيرة بصرية عنه. وقد يعمد أحد المناصرين لحزب سياسي إلى جمع لقطات من برنامج تلفزيوني مع صور نادرة لأحد شهداء حركة التحرر الوطنية، ثم يضيف إليها موسيقى حزينة، ليخرج بعمل جديد قد يفوق، من حيث الجودة الفنية، المادة التلفزيونية الأصلية، أو قد يكون أقل جودة، لكنه يظل ذا قيمة لأن فكرته ورسالة إنتاجه إيجابيتان، وتخدمان تخليد ذكرى ذلك الشهيد.
الديمقراطية الجديدة على المنصة الجديدة 
كنت قد تناولتُ في مقال سابق الأبعاد الإعلامية لظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وذكرتُ أن من أبرز إشكالياتها وجود شبكات دعم خفية، داخلية وخارجية، محلية وأجنبية، تقف وراءها. وهذه الشبكات قد تكون مؤسسات حكومية أو شركات استثمارية، لكل منها مصالحها وصراعاتها الخاصة. وتسهم هذه المساندة غير المرئية إلى حد كبير في تضخيم شبكات الإعلام الجديد وتمويلها وترسيخ حضورها، بل إن أجهزة الاستخبارات الأجنبية تدخل أحيانًا على هذا الخط، وهو ما يحول دون اعتبار المزاج السائد على وسائل التواصل الاجتماعي مقياسًا دقيقًا للرأي العام تجاه القضايا العامة. غير أن إعادة مناقشة هذه القضية ليست غاية هذا المقال، كما أنها ليست مرتبطة مباشرة بموضوع الإعلام الجديد والعمل الحزبي، لذلك لن نتوسع فيها.
ولاشك أن هذه الإشكالية ما تزال قائمة ولم تُحسم بعد، لكنها لا تحول دون الاستخدام الإيجابي والفاعل للإعلام الجديد، ولا سيما في المجال الحزبي، وفي توجيه السياسات الحزبية نحو الجمهور المستهدف ضمن الحدود التي يحددها الحزب نفسه.
ومن هنا أود العودة إلى الفكرة التي طرحتها سابقًا، وهي أن تطور الإعلام الجديد أحدث قطيعة في الوظيفة الحزبية بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد.
وهذه الملاحظة ليست مجرد استنتاج أكاديمي أو نظري، بل هي قراءة تنظيمية وحزبية واقعية تنطلق من الواقع؛ فالإعلام التقليدي (الصحف، والإذاعة، والتلفزيون) والإعلام الجديد (المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي) أصبحا اليوم مترابطين، ويكمل كل منهما الآخر في أداء وظائفه المهنية.
فمنصات الإعلام الجديد أصبحت بمنزلة «الحديقة الخلفية» للإعلام التقليدي، ومنابر جماهيرية إضافية تتيح انتشارًا أوسع لمحتواه. وأصبح المتلقي يستفيد من هذه المنصات في المشاهدة والاستماع والقراءة أكثر مما يعود إلى المنابر التقليدية نفسها؛ فلم يعد يجلس أمام شاشة التلفاز أو ينصت إلى المذياع أو يطالع الصحيفة الورقية كما كان في السابق. وكأنها أصبحت مخزن للمحتوى الإعلامي اكثر منه بؤرة للبث. كما تحولت هذه المنصات إلى فضاء مهم لاستطلاع ردود فعل الجمهور وتعليقاته ومشاركاته الفاعلة، بما يمنح وسائل الإعلام التقليدية فرصة لفهم اتجاهات الرأي العام وقياس مستوى الرضا أو الاعتراض على ما تقدمه في منابرها الاصلية.
وفي هذا الاطار، ورغم الترابط والتكامل بين مراحل تطور الإعلام من التقليدي إلى الجديد، فإنني أعتقد أن القطيعة الحقيقية حدثت بينهما في ميدان الإعلام الحزبي. فقد انتقلت وظيفة الإعلام الحزبي التقليدي إلى وظيفة غير مباشرة، يتمثل في نقل الرسائل السياسية العامة عبر وسائل إعلام لا تحمل أسماء الأحزاب، لكنها تؤدي عمليًا دورًا إعلاميًا رديفًا لها، وتعكس توجهاتها السياسية بصورة غير معلنة أو مباشرة.
في المقابل، أصبح الإعلام الجديد يتولى بصورة مباشرة المهام التنظيمية والحزبية، بل بات جزءًا من البنية التنظيمية للحزب نفسه كجزء في العلاقات العامة وهذا يعني أن العمل التنظيمي للحزب أصبح يُدار عبر أدوات الإعلام الجديد، وأن الكادر الحزبي لم يعد يقتصر دوره على النشاط التنظيمي التقليدي، بل أصبح يؤدي مهامه الحزبية المباشرة  والمكثفة من خلال هذه المنصات. وهكذا اندمج الإعلام الجديد في جسد التنظيم الحزبي، وأصبح أداة لتنفيذ المهام الحزبية، صغيرها و كبيرها.
ويمثل هذا التحول، في التجربة الحزبية، تغييرًا جوهريًا ونوعيًا، إذ يُرجح أن تختفي في المستقبل القريب الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية بوصفها أجهزة حزبية مباشرة. وستتحول هذه المؤسسات إلى وسائل إعلام وطنية أو عامة، تحمل أسماءها المستقلة، وتعالج الشؤون السياسية والاجتماعية والثقافية العامة، بينما يتراجع تدريجيًا دورها بوصفها منابر وعناوين حزبية ضيقة. وبذلك ستنتقل الوظيفة الحزبية المباشرة إلى الإعلام الجديد، تاركة للإعلام التقليدي مهامه الإعلامية العامة.
ولا يعني ذلك أن الإعلام الجديد سيقتصر على أداء الوظائف الحزبية وحدها؛ فبحكم تنوع المجتمع واتساع مجالات الحياة، فإنه سيواصل أداء وظائف إعلامية وثقافية واجتماعية متعددة، شأنه شأن الإعلام التقليدي الذي سيستمر بدوره في الاستفادة من منصات الإعلام الجديد، سواء الموجودة اليوم أو التي ستظهر مستقبلًا، بوصفها امتدادًا لمنابره الأساسية، أي الصحافة والإذاعة والتلفزيون.
غير أن محور حديثنا هنا يقتصر على الوظيفة الحزبية الجديدة التي جاء بها الإعلام الجديد، وهي وظيفة تستحق مزيدًا من الدراسة والتحليل لفهم طبيعتها واتجاهاتها المستقبلية.
إن هذا كله ليس سوى انعكاس لتطور الحياة وتطور تكنولوجيا الإعلام، التي تعلمنا في كل مرحلة درسًا جديدًا.
فيا سادتي:
قليلون يعلمون أن الولايات المتحدة عرفت من قبل رئيسًا ملوناً قبل باراك أوباما بفترة طويلة، لكن عدسات الكاميرا الحديثة سلطت الضوء على حضور أوباما، فأظهرت للعالم حقيقة اتساع الفرص السياسية في الولايات المتحدة، وأن بإمكان رجل أسود من أصول أفريقية، نشأ في ظل نظام دولة متقدمة، أن يصل إلى أعلى منصب فيها.
وفي سياق تطور تكنولوجيا الإعلام يمكن القول إن نجحة حرب الخليج الأولى عام 1991 كانت قناة CNN، بينما كان بطلة الحرب على طالبان ومعركة تورا بورا في عام 2002 هي قناة الجزيرة. ثم جاءت مرحلة صعود أوباما إلى الرئاسة عام 2009، وما رافقها من ازدهار الفيسبوك، تلتها أحداث الربيع العربي، ليصبح الفيسبوك بطل المشهد الإعلامي في تلك المرحلة.
أما في المرحلة التي شهدت إعادة انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، وكذلك الانتخابات الأخيرة لمجلس النواب العراقي عام 2025، فقد برز التيك توك بوصفه المنصة الإعلامية الأكثر تأثيرًا، بما يمتلكه من طبيعة سريعة وخفيفة وجاذبة للمستخدمين.

النص مترجم من اللغة الكردية عن طريق الذكاء الاصطناعي

شاهد المزيد

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket