الرئيس جلال طالباني.. نهجٌ ونبراس

الآراء 12:15 PM - 2026-09-30
صلاح شمشير

صلاح شمشير

نستذكر هذه الأيام الذكرى التاسعة لرحيل الرئيس مام جلال طالباني، الذي غادرنا في الثالث من تشرين الأول عام 2017، بعد مسيرة حافلة بالنضال والعمل السياسي والوطني، امتدت لعقود، وشهدت محطات وأحداثاً شكّلت جانباً مهماً من تاريخ العراق الحديث وتاريخ الحركة السياسية الكوردستانية.
وُلد مام جلال عام 1933، بعد عام واحد من استقلال العراق عن الانتداب البريطاني، ودخل معترك العمل السياسي في سن مبكرة، من خلال نشاطه في اتحاد طلبة كوردستان، وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره. ثم واصل دراسته في بغداد، ليدرس الحقوق في جامعة بغداد، قبل أن يعود إلى السليمانية وينخرط مع نخبة من المثقفين والمناضلين في العمل السياسي والتنظيمي.
وبعد اتفاقية الجزائر عام 1975، شهدت الحركة السياسية الكوردستانية مرحلة جديدة، انتهت بتأسيس الاتحاد الوطني الكوردستاني عام 1975، بقيادة مام جلال ورفاقه، لتبدأ مرحلة أخرى من النضال السياسي والوطني، امتدت من سنوات الجبال والعمل المسلح، إلى الانتفاضة الكوردستانية عام 1991، ثم مرحلة الإدارة والحكم في إقليم كوردستان، وصولاً إلى سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003.
وفي عام 2005، انتُخب جلال طالباني رئيساً لجمهورية العراق، ليكون أول رئيس كوردي منتخب للجمهورية العراقية، وأُعيد انتخابه عام 2010، قبل أن يرحل في عام 2017، تاركاً وراءه إرثاً وطنياً وسياسياً وإنسانياً، وذكريات طيبة لدى كل من عاصره والتقى به وعمل معه.
عند الحديث عن تاريخ مام جلال ومسيرته لايمكن التغافل عن شريكة حياته ورفيقة  دربه وذكرياته  في النضال السيدة هيرو  إبراهيم احمد ،  وما تضمنته من أحداث وتحولات سياسية وتاريخية كبيرة، ولذلك سأختصر هذه المسيرة الطويلة بذكرى شخصية لا تزال عالقة في ذاكرتي، وهي لقاء عفوي جمعني بالرئيس الراحل.
في عام 2004، دعانا الرئيس الراحل جلال طالباني إلى السليمانية، وتحديداً إلى منتجع دوكان، وكنا مجموعة من الناشطين والمثقفين والشخصيات السياسية والاجتماعية من مختلف المحافظات العراقية، بما فيها العاصمة بغداد، وذلك بعد مشاركتنا في مؤتمر الحوار العربي ـ الكوردي في أربيل.
كانت جلسة عائلية جمعتنا مع ثلة من البيشمركة وأعضاء المكتب السياسي ورفاق درب مام جلال، وكان الرئيس الراحل ينتظر قدومنا بلهفة لا تقل عن سعادتنا بلقائه. وما إن استقبلنا حتى سبقت ابتسامته شوقنا إليه، وبأسلوبه الاجتماعي المعروف وعباراته الرشيقة، التففنا حوله، ونحن نمثل أطيافاً مختلفة من الشعب العراقي.
كان يتحدث عن هموم الماضي، وعن مستقبل العراق، وعن الديمقراطية ودورها في بناء الإنسان العراقي الجديد. وكانت ابتسامته تكاد لا تفارق شفتيه، تمنح من حوله شعوراً بالأمان والطمأنينة. وأخجلنا بتواضعه وبساطته، ونحن في ذلك الوقت حديثو العهد بمرحلة التغيير.
كان يتنقل بنظراته بين الحاضرين، وكأنه يريد أن يشعر كل واحد منهم بأنه محل اهتمامه. وكان حديثه عن المرأة يحمل الكثير من الاعتزاز، فهو من المؤمنين بحقوقها ودورها في بناء المجتمع.
وكعادته، لم تخلُ الجلسة من الطرافة والنكات، حتى أنه ختم حديثه بنكتة عن الكورد، قائلاً مازحاً ما معناه: حتى لايزعل أحد.
لم نشعر ونحن نجلس حوله بأي تمايز؛ كنا عراقيين قبل كل شيء، نجلس بضيافة ابن كوردستان العراق، الذي جمعنا حول مائدة واحدة، ليكون بيننا زاد وملح.
كان بيننا العربي والكوردي والتركماني والمسيحي والإيزدي والصابئي والشبكي، وكأن تلك المائدة كانت صورة مصغرة للعراق الذي كان مام جلال يؤمن به؛ عراقاً تتجاور فيه الهويات والثقافات والمكونات، وتجمعها المواطنة والشراكة والعيش المشترك.
وهنا أدركت، بصورة أكثر قرباً ووضوحاً، معنى تلك العبارة التي كان مام جلال يرددها ويعتز بها عندما وصف الشعب العراقي بأنه «شدة ورد»؛ فكل وردة لها لونها وعطرها، لكن جمالها الحقيقي يكون حين تجتمع مع غيرها.
وقد رأيت في مام جلال يومها ذلك الإنسان الذي كنت أحتفظ بصورته في ذاكرتي من أحاديث عائلتي عنه وعن البيشمركة الأبطال. ورأيت في تجربته معنى مختلفاً للكوردايتي؛ معنى يقوم على المحبة والخير والانفتاح، بعيداً عن التعصب وفرض الأفكار والقيود على الآخرين.
كان مام جلال قائداً متمرساً وسياسياً محنكاً، لكن ما ميّزه أكثر كان شعوره العميق بالمسؤولية الوطنية تجاه العراق، وإيمانه بأن الاختلاف لا يلغي الشراكة، وأن السياسة يمكن أن تكون وسيلة للتقريب بين الناس لا لإبعادهم عن بعضهم.
لقد أثبت مام جلال، خلال سنوات رئاسته، أنه رئيس لكل العراقيين، فلم يميز بين مكوناتهم، وأحبوه لأنه أحبهم، وفتح قلبه للجميع، وجعل من الحوار والتقارب لغةً في التعامل مع مختلف الأطراف.
رحم الله مام جلال الرئيس والسياسي والمناضل والإنسان الذي أحب وطنه وأحب شعبه.
والذي جعل الاختلاف مساحةً للحوار ومن التنوع مصدر قوة ومن العراق وطناً يتسع للجميع فكان بحق صمام آمان العراق 

سلامٌ على روحك 
وسلامٌ على نهجٍ تركته لنا 
ونبراسٍ ما زال يضيء الطريق.

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket