بشأن كركوك: تفكير عقلاني أم خطاب عاطفي؟
الآراء 03:18 PM - 2026-08-12
كركوك، بوصفها مدينة متعددة القوميات والمكونات، كانت على الدوام حاضنةً للتعايش، وفي الوقت نفسه ساحةً حساسة لاختبار الخطابات السياسية والقومية. ففي هذه المدينة، غالباً ما يصل الخطاب القومي العاطفي إلى عقول المواطنين وقلوبهم أسرع من الخطاب العقلاني، لأنه يقوم على ربط الهوية بالأرض وبماضٍ تاريخي حافل بالمآسي والنضال.
وعلى الرغم من أن هذا الخطاب يمكن، في مرحلة معينة، أن يتحول إلى قوة للتوعية والدفاع عن حقوق أحد المكونات وحشد الناس حولها، فإن المشاعر القومية، في واقع متعدد المكونات ككركوك، كثيراً ما تنحرف باتجاه تعميق الشروخ الاجتماعية وصرف الأنظار عن القضايا الخدمية والأساسية.
وفي المقابل، فإن تجاوز أزمات المدينة يتطلب أن يفسح الخطاب العاطفي المجال أمام خطاب وطني متعدد الأطراف، يضمن حقوق جميع المكونات، وينقل كركوك من "صدام الهويات" إلى جسر للتعايش والسلام المجتمعي. وهذه هي السياسة التي دأب الاتحاد الوطني الكوردستاني على اتباعها، نظراً إلى ثقله السياسي والجماهيري وإيمانه الراسخ بالتعايش.
وفي ضوء هذه الحقيقة، نسمع بين الحين والآخر مثل هذه الخطابات، غير أن حقيقة هذا النوع من الأفكار شيء، والواقع الفعلي والميداني شيء آخر. ولذلك، نرى أن التعامل مع وضع من هذا النوع يتطلب ما يأتي:
أولاً: من المهم أن تدرك جميع الأطراف والمكونات في كركوك، من الكورد والعرب والتركمان والمسيحيين، وأن تقبل حقيقة أن رؤى وأفكار المكونات المختلفة في كركوك، وكذلك رسائل بعض قادة تلك المكونات بشأن وضع المدينة ومستقبلها، قد تكون متباينة. وهذه ليست ظاهرة جديدة، ولا خطاباً مستحدثاً، بل هو أمر طبيعي لدى كل قومية ومكوّن، بهدف الترويج لمشروعية أهدافه السياسية وترسيخها داخل مكوّنه وقوميته.
ومن المهم أيضاً إدراك أن رسالة مسؤول كوردي في تلك المدينة ليست بالضرورة موضع قبول غالبية المكونين العربي والتركماني فيها، تماماً كما أن رسالة عاطفية لمسؤول تركماني في المدينة ليست بالضرورة موضع قبول غالبية الكورد والعرب فيها. وينطبق الأمر ذاته على رسالة أي قائد عربي.
لكن الأهم هو أن تراعي هذه الرسائل، وكذلك الردود والتفاعلات بشأنها، التنوع القومي والديني والمذهبي، وأن تأخذ في الحسبان حساسية وضع المدينة، وأن تصدر بطريقة لا تجرح مشاعر الطرف المقابل، ولا تصبح سبباً في إضعاف روح التعايش في كركوك، أو تؤدي إلى إحداث تأثيرات سلبية في الإدارة القائمة على قاعدة واسعة في المدينة.
وعند تقييم التصريحات وتحليلها، وعند التمعن في خطاب شخصية سياسية، من المهم أن نميّز جميعاً بين الرسالة القومية العاطفية وبين القرار السياسي. ولا ينبغي، إزاء أي رسالة من هذا النوع تصدر عن كادر سياسي أو مسؤول إداري تابع لأحد المكونات، أن تتخذ المكونات الأخرى مواقف متشددة على المستويات السياسية والإعلامية والجماهيرية، وأن تتعامل مع تلك الرسالة بوصفها قراراً سياسياً، فضلاً عن أن يؤدي ذلك إلى خلق حالة غير طبيعية في المدينة.
وقد أثبتت التجربة أن اتباع سياسة ردود الفعل السريعة والمتشددة في كركوك يلحق الضرر باستقرار المدينة وبجميع مكوناتها، ولا سيما الكورد. والأكثر من ذلك، فإن الضرر الأكبر يقع على عاتق الاتحاد الوطني الكوردستاني داخل الوسط الكوردي، لأن مسؤوليته في هذه المدينة أكبر من مسؤولية جميع الأطراف الأخرى.
ولهذا، فإن الاتحاد الوطني الكوردستاني في كركوك يتمتع بصدر أوسع من جميع الأطراف الأخرى، وبروح أكثر تسامحاً وصبراً، وذلك لأن رفاق الاتحاد الوطني الكوردستاني في المدينة، وبقدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم، يتخذون، إزاء أي موقف أو قرار يتعلق بمدينتهم، قراراً عقلانياً بعد تفكير عميق وتقييم موضوعي دقيق، وليس قراراً عاطفياً، ولا يقعون تحت تأثير أي رسالة إعلامية أو سياسية غير مسؤولة من شأنها الإضرار بوضع المدينة.
ثانياً: فيما يتعلق بالمادة 140 من الدستور العراقي الدائم، فقد سبق أن أشار عدد من المسؤولين السياسيين في العاصمة بغداد وفي مدينة كركوك إلى أن العمل بالمادة 140 قد انتهى. ومثل هذه الرسائل عاطفية، وتهدف فقط إلى إرضاء جمهورهم وجذب انتباهه، ولا تشكل، بحد ذاتها، أي خطر على المادة 140،لكن المشكلة والعائق الأكبر يكمنان في أن نسبة السكان الوافدين من خارج المنطقة، مقارنةً بالسكان الأصليين للمناطق المستقطعة، تشهد ارتفاعاً غير طبيعي. وهذا الأمر يتطلب وقفة جادة، وتوافقاً وطنياً، وسياسة مسؤولة؛ لأن اختلال التوازن سيجعل الحديث عن المادة 140 عديم التأثير، وحتى إذا توافرت الأرضية اللازمة لتطبيقها، فلن تتمكن من تحقيق هدفها بما يصب في مصلحة السكان الأصليين للمنطقة.
ترجمة: نرمين عثمان محمد
PUKMEDIA
المزيد من الأخبار
-
انخفاض اسعار اانفط في الاسواق العالمية
01:38 PM - 2026-10-09 -
الانواء الجوية: أمطار رعدية متفرقة في العراق حتى الثلاثاء المقبل
09:07 AM - 2026-10-09 -
اقليم كوردستان.. تراجع جديد في تجهيز الطاقة الكهربائية
10:24 PM - 2026-10-08 -
الصحاف: إعادة 11 مهاجراً من ليبيا إلى العراق
08:26 PM - 2026-10-08
الأكثر قراءة
-
الانواء الجوية: أمطار رعدية متفرقة في العراق حتى الثلاثاء المقبل
کوردستان 09:07 AM - 2026-10-09 -
الزيدي: تسلّمت الحكومة وحجم الدين العام يتجاوز 208 تريليونات دينار
العراق 10:05 PM - 2026-10-08 -
إدارة السليمانية تشدد مراقبة الأسواق وتعاقب المضاربين والمتلاعبين
کوردستان 06:57 PM - 2026-10-08 -
اقليم كوردستان.. تراجع جديد في تجهيز الطاقة الكهربائية
کوردستان 10:24 PM - 2026-10-08 -
بيكرد طالباني تطالب بإلغاء قرار تأجيل رسوم البيض والدجاج المستورد
کوردستان 10:02 AM - 2026-10-09 -
الصحاف: إعادة 11 مهاجراً من ليبيا إلى العراق
العراق 08:26 PM - 2026-10-08 -
في ذكرى وفاته، الشيخ محمود الحفيد.. من إعلان استقلال كوردستان إلى المنفى والعودة
کوردستان 11:02 AM - 2026-10-09 -
البنتاغون يعتزم بث إعدام نضال حسن مباشرة في سابقة بتاريخ الجيش الأميركي
العالم 05:47 PM - 2026-10-09



تطبيق

