المجد الوهمي والزائف
الآراء 04:31 PM - 2026-07-08
في كل عصر يظهر من يصنع المجد، لكن أخطر ما يميز عصرنا ليس ندرة أصحاب الإنجاز، بل كثرة صناع المجد الوهمي.
لم يعد المجد، في نظر كثيرين، ثمرة تضحية أو حصيلة سنوات من العمل والإبداع، وإنما أصبح منتجا إعلاميا يمكن تسويقه، وصورة يمكن تلميعها، وسردية يمكن تكرارها حتى يصدقها أصحابها قبل الآخرين.
لقد نشأت ثقافة جديدة تجعل الضجيج دليلا على القيمة، وعدد الحمايات و المصفقين مقياسا للعظمة، وحجم الظهور بديلا عن حجم التأثير الحقيقي وهكذا أصبح بعض الأشخاص والمؤسسات ينفقون جهودا هائلة في صناعة صورة بطولية لأنفسهم، بينما يفتقر الواقع إلى أي إنجاز يبرر تلك الصورة.
ولا يقف الأمر عند حدود الترويج الذاتي، بل يتجاوز ذلك إلى ظهور جيوش من المروجين الذين يحولون الأشخاص إلى أساطير، ويصنعون من الأخطاء إنجازات، ومن الإخفاقات انتصارات، ومن المناصب ألقابا تاريخية.
إنها صناعة تقوم على المبالغة، وتغذية الغرور، وتزييف الوعي العام،وتعود هذه الظاهرة إلى أسباب عديدة؛ فوسائل التواصل الاجتماعي منحت الشهرة لمن يجيد الظهور أكثر ممن يجيد العمل، كما أن ضعف الثقافة النقدية في المجتمع، وتراجع المؤسسات المهنية المستقلة، وانتشار الولاءات الشخصية والحزبية، كلها عوامل جعلت التصفيق أسهل من المحاسبة، والمديح أكثر رواجا من الحقيقة. يضاف إلى ذلك أن كثيرا من الناس يبحثون عن رموز يعلقون عليها آمالهم، فيصبحون مستعدين لتصديق أي رواية تمجد شخصا أو جماعة دون تمحيص.
غير أن أخطر نتائج هذا المجد الكاذب لا تصيب صاحبه وحده، بل تمتد إلى المجتمع بأسره، فعندما يصبح الادعاء بديلا عن الإنجاز، يفقد أصحاب الكفاءة مكانتهم، ويشعر المبدعون الحقيقيون أن العمل الجاد لم يعد طريقا للتقدير.
وعندما تنتصر الدعاية على الحقيقة، تتآكل معايير العدالة والاستحقاق، ويتحول الرأي العام إلى أسير للصورة لا للواقع.
وما إن تواجه هذه الشخصيات أول اختبار حقيقي حتى تتكشف هشاشة المجد المصنوع، فالتاريخ لا يحتفظ بمن أتقنوا الترويج لأنفسهم، بل بمن تركوا أثرا ملموسا في حياة الناس.
أما التصفيق، فهو صوت عابر ينتهي بانتهاء المناسبة، بينما يبقى الإنجاز شاهدا لا يحتاج إلى من يعلنه كل يوم.
إن الأمم التي تسمح بانتشار المجد المزيف تدفع ثمنا باهظا؛ لأنها تستبدل القدوة الحقيقية بالرمز المصطنع، وتستبدل ثقافة العمل بثقافة الاستعراض، وتفتح الطريق أمام الانتهازية والنفاق والتملق. وعندها يصبح المجتمع أقل قدرة على التمييز بين القائد وصانع الصورة، وبين المفكر ومردد الشعارات، وبين البطل الحقيقي وبطل الدعاية.
ولذلك فإن معركة المجتمعات اليوم ليست ضد الكذب وحده، بل ضد صناعة الكذب بصورة جذابة وهي معركة لاستعادة قيمة الإنجاز الصامت، والاعتراف بالفضل لأهله، وإعادة الاعتبار للنقد المسؤول بوصفه حماية للحقيقة لا عداء للأشخاص،فالمجد الحقيقي لا يطلب التصفيق، ولا يحتاج إلى حملات تلميع، ولا يعيش على المبالغات، إنه يولد من خدمة الناس، ويكبر بالإنجاز، ويخلده التاريخ.
أما المجد الزائف، فمهما ارتفع صوته، يبقى بناء هشا لا يصمد أمام أول مواجهة مع الحقيقة.
ولعل أكثر ما يفسر هذه الظاهرة ما كتبه فريدريش نيتشه عندما حذر من أن الإنسان قد يصبح مولعا بالأقنعة حتى ينسى وجهه الحقيقي، فكم من شخصية معاصرة لم تعد تعيش حياتها، بل تعيش الشخصية التي رسمها لها المصفقون، حتى أصبح الحفاظ على الصورة أهم من صناعة الإنجاز.
يبقى المجد الحقيقي صامتا في كثير من الأحيان، لأنه لا يحتاج إلى من يرفعه على الأكتاف. أما المجد الكاذب، فيظل أسيرا للمنابر واللافتات والمبالغات، يخشى الحقيقة أكثر مما يخشى النسيان، فالعظمة الحقيقية تكمن في أن تكون عظيما في الأشياء الصغيرة.ومن عجز عن صناعة أثر حقيقي، لن تنقذه أكبر آلة للدعاية، لأن الزمن قد يتأخر في إصدار أحكامه، لكنه نادرا ما يخطئ في النهاية.
المزيد من الأخبار
-
انخفاض اسعار اانفط في الاسواق العالمية
01:38 PM - 2026-10-09 -
القاضية نافي بيلاي تفوز بجائزة نوبل للسلام لعام 2026
01:01 PM - 2026-10-09 -
الشفافية: ايرادات السليمانية وحلبجة خلال الاسبوع الماضي اكثر من 7 مليارات
09:38 AM - 2026-10-09 -
الانواء الجوية: أمطار رعدية متفرقة في العراق حتى الثلاثاء المقبل
09:07 AM - 2026-10-09
الأكثر قراءة
-
الانواء الجوية: أمطار رعدية متفرقة في العراق حتى الثلاثاء المقبل
کوردستان 09:07 AM - 2026-10-09 -
الزيدي: تسلّمت الحكومة وحجم الدين العام يتجاوز 208 تريليونات دينار
العراق 10:05 PM - 2026-10-08 -
بيكرد طالباني تطالب بإلغاء قرار تأجيل رسوم البيض والدجاج المستورد
کوردستان 10:02 AM - 2026-10-09 -
اقليم كوردستان.. تراجع جديد في تجهيز الطاقة الكهربائية
کوردستان 10:24 PM - 2026-10-08 -
في ذكرى وفاته، الشيخ محمود الحفيد.. من إعلان استقلال كوردستان إلى المنفى والعودة
کوردستان 11:02 AM - 2026-10-09 -
الصحاف: إعادة 11 مهاجراً من ليبيا إلى العراق
العراق 08:26 PM - 2026-10-08 -
البنتاغون يعتزم بث إعدام نضال حسن مباشرة في سابقة بتاريخ الجيش الأميركي
العالم 05:47 PM - 2026-10-09 -
الشفافية: ايرادات السليمانية وحلبجة خلال الاسبوع الماضي اكثر من 7 مليارات
کوردستان 09:38 AM - 2026-10-09



تطبيق

