المرأة العراقية بين التفوق الأكاديمي وغيابها في مراكز القرار
الآراء 08:50 PM - 2026-05-23
شهد العراق في السنوات الأخيرة زيادة واضحة في نسبة حضور المرأة داخل المؤسسات الأكاديمية والتعليمية، حتى باتت الإناث يشكلن نسبة كبيرة من الطلبة والمتفوقين في الجامعات والمعاهد العراقية. ولم يعد التفوق النسوي ظاهرة استثنائية، بل أصبح مؤشرا حقيقيا على امتلاك المرأة العراقية قدرات علمية ومعرفية تؤهلها للمشاركة الفاعلة في بناء الدولة والمجتمع. غير أن هذه الصورة المشرقة تصطدم بمفارقة واقعية مريرة وعميقة ، فهما ازداد حضور المرأة في الجامعات، وتمكنها علميا ظل حضورها في مراكز القرار السياسي والإداري محدودا وضعيف التأثير.
هذه المفارقة في حقيقتها لا تعكس أزمة كفاءة، بل تكشف عن خلل بنيوي في الثقافة السياسية والاجتماعية العراقية. فالمرأة التي استطاعت أن تنافس الرجال وتتفوّق داخل القاعات الدراسية ما تزال تُواجَه بحواجز معقدة عند محاولتها الانتقال إلى مواقع القيادة وصناعة القرار. وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا ينجح المجتمع في تقبّل المرأة المتعلّمة، لكنه يتردد في تقبّل المرأة في مراكز القرار الحكومي والسياسي؟
تكمن إحدى أبرز المشكلات في طبيعة البنية الحزبية والسياسية داخل العراق، إذ ما تزال الكثير من الأحزاب تُدار بعقلية تقليدية تحتكر السلطة داخل دوائر ذكورية مغلقة. ورغم وجود نظام “الكوتا” النسائية الذي منح المرأة تمثيلا عدديا داخل البرلمان، إلا أن هذا التمثيل غالبا ما بقي شكليا، لا ينعكس بصورة حقيقية على صناعة القرار. والأخطر من ذلك أن مبدأ تخصيص نسبة الـ25% للنساء لم يُطبَّق فعليا داخل مراكز القرار التنفيذية والوزارات والمؤسسات العليا، حيث ما تزال المناصب السيادية والإدارية المهمة تُمنح في أغلب الأحيان وفق معايير الولاء الحزبي والتوازنات السياسية، لا وفق مبدأ العدالة في التمثيل والكفاءة والخبرة الإدارية والحزبية.
ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات تمكين المرأة، تبقى مشاركتها الفعلية في إدارة الوزارات والهيئات المستقلة والمناصب العليا محدودة جدا، وغالبا ما يتم استبعادها من المواقع ذات التأثير الحقيقي. وهذا يكشف أن المشكلة لا تكمن في غياب الكفاءات النسوية، بل في غياب الإرادة السياسية الحقيقة والجادة لإشراك المرأة بوصفها شريكا أساسيا في إدارة الدولة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل دور المجتمع نفسه في تكريس هذه الفجوة. فالثقافة الاجتماعية السائدة ما تزال تنظر إلى السياسة باعتبارها مجالا رجوليا يرتبط بالصراع والنفوذ، بينما تُحصر المرأة في أدوار أقل احتكاكا بالسلطة. لذلك نجد أن المجتمع يشجع الفتاة على الدراسة والعمل في الطب أو التعليم، لكنه يبدي تحفظا عندما تتجه نحو القيادة السياسية أو المناصب العليا.
كما أن البيئة السياسية العراقية، بما تحمله من توترات وصراعات وضغوط إعلامية وأمنية، جعلت الكثير من النساء يعزفن عن خوض التجربة السياسية، خصوصا في ظل غياب الحماية القانونية الكافية من حملات التشهير أو الابتزاز أو الإقصاء.
ورغم هذه التحديات، فإن استمرار تصاعد نسبة النساء المتعلمات يمثل نقطة تحوّل مهمة يمكن البناء عليها. فالتعليم لا يمنح المرأة شهادة أكاديمية فحسب، بل يمنحها وعيا أوسع بحقوقها وقدرة أكبر على المشاركة والتأثير. ولهذا فإن معالجة مشكلة غياب النساء عن مراكز القرار لا تحتاج إلى حلول رمزية أو شعارات إعلامية، بل إلى إصلاحات واقعية تبدأ من إعادة النظر في بنية الأحزاب وآليات اختيار القيادات.
إن أول خطوة حقيقية تتمثل في تطبيق نسبة الـ25% بصورة فعلية داخل الوزارات والمؤسسات العليا ومراكز القرار، لا الاكتفاء بها كنصوص قانونية أو شعارات سياسية. كما ينبغي إنشاء برامج وطنية لتأهيل القيادات النسوية في مجالات الإدارة والسياسة وصناعة القرار، بحيث لا يبقى التفوق الأكاديمي معزولًا عن الواقع العملي.
كذلك، يحتاج العراق إلى تغيير ثقافي طويل الأمد يعيد تعريف صورة المرأة داخل الوعي المجتمعي، من خلال الإعلام والمناهج التعليمية والخطاب الثقافي والديني، لإثبات أن القيادة ليست امتيازا ذكوريا، بل مسؤولية ترتبط بالكفاءة والخبرة.
إن نهضة المجتمعات لا تتحقق عندما تدخل المرأة قاعات الدراسة فقط، بل عندما تصل أيضًا إلى مواقع التأثير وصناعة السياسات. فالدول التي تُقصي المرأة عن مراكز القرار لا تخسر النساء وحدهن، بل تخسر نصف طاقتها البشرية والعقلية. ولذلك فإن مستقبل العراق لن يُبنى بإشراك الرجال وحدهم، بل بإفساح المجال أمام جميع الكفاءات القادرة على الإسهام في بناء دولة أكثر عدالة وتوازنًا وتقدمًا.
PUKMEDIA
المزيد من الأخبار
-
انخفاض اسعار اانفط في الاسواق العالمية
01:38 PM - 2026-10-09 -
الانواء الجوية: أمطار رعدية متفرقة في العراق حتى الثلاثاء المقبل
09:07 AM - 2026-10-09 -
اقليم كوردستان.. تراجع جديد في تجهيز الطاقة الكهربائية
10:24 PM - 2026-10-08 -
الصحاف: إعادة 11 مهاجراً من ليبيا إلى العراق
08:26 PM - 2026-10-08
الأكثر قراءة
-
الانواء الجوية: أمطار رعدية متفرقة في العراق حتى الثلاثاء المقبل
کوردستان 09:07 AM - 2026-10-09 -
الزيدي: تسلّمت الحكومة وحجم الدين العام يتجاوز 208 تريليونات دينار
العراق 10:05 PM - 2026-10-08 -
إدارة السليمانية تشدد مراقبة الأسواق وتعاقب المضاربين والمتلاعبين
کوردستان 06:57 PM - 2026-10-08 -
اقليم كوردستان.. تراجع جديد في تجهيز الطاقة الكهربائية
کوردستان 10:24 PM - 2026-10-08 -
بيكرد طالباني تطالب بإلغاء قرار تأجيل رسوم البيض والدجاج المستورد
کوردستان 10:02 AM - 2026-10-09 -
الصحاف: إعادة 11 مهاجراً من ليبيا إلى العراق
العراق 08:26 PM - 2026-10-08 -
في ذكرى وفاته، الشيخ محمود الحفيد.. من إعلان استقلال كوردستان إلى المنفى والعودة
کوردستان 11:02 AM - 2026-10-09 -
البنتاغون يعتزم بث إعدام نضال حسن مباشرة في سابقة بتاريخ الجيش الأميركي
العالم 05:47 PM - 2026-10-09



تطبيق

